
في شهر يناير 1998 عيّنت إدارة السجون والإصلاح في تونس مديرا جديدا للسجن المدني بالعاصمة برتبة عقيد، وقد كنت وعدداً من زملائي مساجين حركة النّهضة مقيمين بجناح العزلة الذي يضمّ إلى جانبنا مساجين حقّ عامّ محكومين بالإعدام. وقد أفضى أوّل لقاء لنا مع المدير الجديد إلى أزمة، إذ خاطبنا بلغة مستفزّة ضاربا عرض الحائط بمطالبنا وبالقانون. وقد كان حديث عهدٍ بواقع السجون فقد جاء إليها من سلك آخر وهو غير متعوّد على التّعامل مع سياسيين مثقّفين تحمل ملفاتهم التي تصفحها قبل القدوم إلينا عنوان «سجين صبغة خاصّة» وملحوظة «سجين خطير جدّا». أمّا العنوان فبسبب رفض الإدارة تسمية الأمور بمسمّياتها فيصبح سجين الرّأي والسّجين السياسي سجينين خاصّين، لأن الدولة منذ سنة 1991 تنفي نفيا تاما وجود مساجين سياسيين لديها. وأما صفة خطير جدا فهي توزع بسخاء علينا وعلى غيرنا ولا داعي للتّعليق عليها، لأنها في الغالب تدل على خلاف ما تصف. لقد نتج عن المقابلة الفاشلة إضراب عن الطّعام للمساجين الإسلاميين انطلقت شرارته من جناح العزلة وامتدّت إلى باقي الأجنحة. قبل ذلك بأيام، قبل أن يحل المدير الجديد، توفّي سجين جنائي محكوم بالإعدام إثر إضراب جاف عن الطعام دام ستّة عشر يوما لم يتصل به خلالها مسؤول واحد ليستفسر عن أسباب إضرابه، كما توفي سجينان آخران شقيقان في عزلة المصحّة بعد أن أشعلا النّار في غرفتهما المغلقة، كما انتحر سجين مريض بالسّيدا (الإيدز) بنفس الجناح.
لقد أزيل السجن المدني بتونس عن طريق الجرّافات، ونُقل إلى مكان آخر، واليوم توجد مكانه حديقة مزهرة لا يخطر ببال من يمرّ أمامها ولا يعرف المكان أنّها كانت سجنا رهيبا تحجب أسواره العالية مدينة لا كالمدن، تضمّ آلافا من المنتزعين من خارج الأسوار لتدخل حياتهم بين قوسين، أو بالأحرى بين أربعة جدران رطبة، قد تكون أوقاتها الاستثنائيّة هي الأهمّ في حياتهم.
في رواية «الوشم» يصوّر الأديب والنّاقد العراقي المقيم بتونس منذ ثلاثة عقود عبدالرحمن مجيد الربيعي آثار السّجن على المثقّف المعارض بعد انقضاء مدّة حبسه واستعادته لحريّته وعودته إلى عالمه الأصلي. يقول بطل الرّواية بعد ستّة أشهر فقط قضّاها في الاعتقال: «إنّ شيئا ما في داخلي قد نُسف». وللإشارة فإنّ ستّة أشهر لا تمثّل سوى صفحة من المعاناة الطّويلة لمساجين من أمثال الأسرى الفلسطينيين الذين قضوا ولا يزال الآلاف منهم يمضون المُدد الطّويلة في سجون الاحتلال.
إنّ قبح واقع السّجن وقساوة أيّامه الطّويلة المملّة لم تُفجّر في نفس السّجين حسب رواية «الوشم» منابع الجمال والخير والأمل، بقدر ما طبعت وجدانه بمشاعر اللاّمعنى واللاّجدوى وعوض أن تدفعه بعد مغادرة السّجن إلى تحمّل مسؤوليّة الوجود والالتفات إلى رفاق السّجن لتحريرهم والتّخفيف من مأساتهم أو تجديد الصّلات مع رفاق مسيرة النّضال لاستئنافها من جديد، دفعته إلى الإغراق في معاناة داخليّة صامتة تبلغ ذروتها بانمحاء ذاكرة الالتزام، والاستسلام لدعوات الغرائز، وإنشاب مخالبها الظامئة وأنيابها الصّدئة في لحم الحياة الملوّثة القبيحة التي يغطّيها الوشم كاللّعنة والتي يغرق في أوحالها فيظلّ يحمل رائحتها الكريهة كالطّاعون والجذام.
هذه الصّورة الرّوائيّة السوداويّة يقدّم لنا الشّاعر العبقري التركي ناظم حكمت بسيرته وأشعاره ورسائله ومذكّراته ومواقفه صورة مناقضة لها مليئة بالأمل، مشبعة بفيض إنسانيّته الغامرة. فكما يسقط مثقّف زائف يسمو مثقّف رسالي أو ملتزم، فانتصار الإنسانيّة هو انتصار القيمة ولا يمكن أن يقدّر أحد حجم الألم الذي نشعر به كلّما صدر تقرير عن الأوضاع البائسة للمساجين في بلدان نحبّها، لأنّنا كنّا نظنّ أنّها أنجزت ثورات نقيّة أو بشّر قادتها بحداثة إنسانيّة وبمشاريع مجتمعيّة أصيلة وتقدّميّة. فليست السّجون السّريّة لوكالة الاستخبارات الأميركي



























